حسن الأمين
86
مستدركات أعيان الشيعة
قبل ، وبحثت عنه حتى صح وامتحنته فما كذب « ( 1 ) فها هنا قد أجمل صاحبنا كل ما نريده نحن من الباحث العلمي في كلمات قلائل رتبت أدق ما يكون الترتيب ، فعمل باليد أولا ، واعمال للعقل فيما قد حصلته اليد ، ثانيا ، حتى تنتهي منه إلى نظرية مفروضة ، ثم امتحان تطبيقي - ثالثا - للفرض العقلي الذي فرضناه . على أن الأمر عنده لا يقتصر على مثل هذه العبارات المقتضبة الموجزة المركزة يصف بها منهجه ، بل إنه يفيض الكلام في ذلك إفاضة كافية في مواضع كثيرة من كتبه . فانظر إليه - مثلا - وهو يوضح لك كيف يمكن للعالم أن يبدأ بالتعريف العقلي لمفهوم ما ، ثم يستنبط من هذا التعريف ما يريده من التفصيلات الخاصة بالعلم الذي يتعلق به ذلك المفهوم المعرف ، فيقول على سبيل المثال : إننا إذا ما بدأنا بتعريف « الإيقاع » بأنه تأليف عددي ، استطعنا أن نستخرج من هذا التعريف سلسلة من النتائج التي يلزم بعضها عن بعض ، والتي تضع لنا أسس العلم الموسيقى ، فالنتيجة الأولى لهذا التعريف هي أنه ما دام الإيقاع هو تأليف عددي فإنه لا بد أن يكون تأليفا من حركة وسكون في مجال النطق والسمع ، ومن تأليف المتحرك والساكن تنتج نتيجة هي : أن أوزان الألفاظ تكون كذا وكذا ، أما في مجال الموسيقى ، فمن تعريفنا للإيقاع بأنه تأليف عددي ، ينتج أن هذا التأليف إما أن يكون فردا في العدد أو زوجا ، والزوج والفرد يأتلفان معا على أربع صور : زوج زوج ، أو فرد فرد ، أو زوج فرد ، أو فرد زوج ، والعدد الفرد يكون مثل الواحد وأخواته ، والزوج مثل الاثنين وأخواتها ، ويتولد عن ذلك أربع طرائق في الموسيقى ، وهي التي يسمونها بالأسماء الآتية : ثقيل الأول ، وثاني الثقيل ، والرمل ، والهزج ، ثم إنهم ولدوا كل واحد من هذه خفيفا ، فصارت ثمانية ، وهي : خفيف ثقيل الأول ، وخفيف ثقيل الثاني ، وخفيف الرمل ، وخفيف الهزج ، ثم جعل لكل واحد من هذه نسبة في الأصابع ، فكان خلف هذه في الأصابع ، كخلف تلك في الحلق واللسان والشفتين ، إذ إنه قد يحدث من هذه الطرائق بالأصابع ساكن ومتحرك ، كما حدث لنا في الحروف ساكن ومتحرك ، وبهذا تصبح لكل طريقة من طرائق الموسيقى الأربع ، أربع صور ، وربما فرقوا بينها بنقرة يسيرة فصارت ثمانية ، أي أن مجموع الصور كلها يكون عندئذ ثمانية في أربعة ، أعني أنه يكون اثنتين وثلاثين طريقة . . . وهكذا - كما يقول جابر نفسه في نهاية تحليله السابق - ينتج هذا كله من تعريفنا للإيقاع بأنه تأليف عددي ( 2 ) . إلى هذا الحد البعيد يمكن للمنهج الاستنباطي وحده أن يزودنا بحقائق العلوم ، على شرط أن نبدأ بتعريفات سديدة خصبة ، ولهذا ترى جابرا يعني أكبر العناية بتعريف العلوم - وسنبسط القول في ذلك في الفصل التالي - اعتقادا منه أن التوفيق في تعريف أي علم شئت ، يضمن لنا إلى حد بعيد توفيقا في الحقائق التي نحصل عليها من ذلك العلم ، فلا غرابة بعد هذا أن نراه يختص « حدود » العلوم ( أي تعريفاتها ) بكتاب مستقل ، يقول عنه : « يا ليت شعري كيف يتم عمل لمن لم يقرأ كتاب الحدود من كتبنا ، فإذا قرأته يا أخي فلا تجعل قراءتك له مثل قراءة سائر الكتب ، بل ينبغي أن تكون قراءتك للكتب مرة في الشهر ، وأما الحدود فينبغي أن ينظر فيه كل ساعة ، وأن إعطاء الحد أعظم ما في الباب » ( 3 ) . وأما عن الجانب الاستقرائي من المنهج العلمي - وهو جانب يكاد ينسب كله لمناطقة أوروبا ابتداء من النهضة العلمية أبان القرنين السادس عشر والسابع عشر - فقد سبق ابن حيان إلى الكتابة بما يكفي وحده أن يضع هذا العالم بين أئمة المنهج العلمي ، فضلا عن منزلته التي اكتسبها بقضاياه العلمية نفسها . فالاستقراء - على خلاف الاستنباط - ينصب على أشياء الوجود الخارجي ، ومداره هناك هو اتخاذ الحاضر شاهدا على الغائب ، فمن علمنا بطبيعة الضوء - مثلا - نستطيع أن نتوقع ظواهر ضوئية معينة تحدث في المستقبل حين تتوافر ظروف معينة ، ومن علمنا باتجاه الريح ومقدار الضغط الجوي ودرجة الرطوبة في الهواء ، نستطيع أن نتوقع شيئا عن نزول المطر أو عدم نزوله ، وهكذا ، وذلك أننا نحلل الظواهر التي تقع لنا في مشاهداتنا وتجاربنا تحليلا يربط الجوانب المتلازمة في الوقوع ربطا يتيح لنا أن نتوقع حدوث بعضها إذا رأينا أن بعضها الآخر قد حدث بالفعل . فما ذا يقول جابر بن حيان في المنهج الاستقرائي ( دون أن ترد بالطبع كلمة « استقراء » في سياقه ) ؟ يقول : إن المشاهد يتعلق بالغائب على ثلاثة أوجه ، وهي : ( أ ) المجانسة ، ( ب ) مجرى العادة ، ( ج ) الآثار ( 4 ) ، وسنوجز القول فيما يلي عن الاستقراء القائم على المجانسة ، ثم نعقب عليه بذكر الاستقراء عن طريق العادة ، وناسف ألا نجد بين أيدينا ما قاله جابر عن الاستقراء عن طريق « الآثار » . الاستدلال عن طريق المجانسة : يقول جابر في ذلك ما مؤداه : ان الاستدلال بالمجانسة هو من قبيل حكمك على شيء ما إذا رأيت نموذجا له ، كان ترى - مثلا - حفنة من قمح لتستدل بها على بقية القمح ما نوعها وما طبيعتها ، على أن الاستدلال على هذا الوجه - فيما يقول جابر - ليس ثابتا ولا صحيحا ، ومع ذلك فقد اضطر إليه بعض العلماء اضطرارا ، لكن جابرا يعترض على مثل هذا المنهج في التفكير ، لأن وجود النموذج لا يدل بذاته على وجود الكل الذي قيل إنه متمثل في النموذج المذكور ، ومن أمثلة الأخطاء التي وقع فيها من استخدم هذا المنهج ، خطا الطائفة التي قالت إنه إذ كان في العالم نور وظلمة وخير وشر وحسن وقبيح ، فإنه يجب أن يكون خارج هذا العالم أيضا نور وظلمة وخير
--> ( 1 ) كتاب الخواص ، المقالة الثانية والثلاثون ، مختارات كراوس ص 322 . ( 2 ) كتاب الأحجار على رأي بليناس ، ج 1 ، مختارات كراوس ، ص 138 - 140 . ( 3 ) نفس المرجع ، ص 138 . ( 4 ) كتاب التصريف ، وانه لمما يؤسف له أن المخطوط الموجود يقتصر على المجانسة ومجرى العادة ، وأما « الآثار » فقد انقطعت الرواية عن ذكرها ، انظر مختارات كراوس ص 424 .